عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
19
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وهم أصحاب العلم الباطن الذي يخشون الله ، وليس لهم اتساع في العلم الظاهر . ويقولون : عَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللهِ . وهم أصحاب العلم الظاهر الذين لا نفاذ لهم في العالم الباطن ، وليس لهم خشية ولا خشوع ، وهؤلاء مذمومون عند السلف . وكان بعضهم يقول : هَذَا هُوَ العَالِمُ الفَاجِرُ . وهؤلاء الذين وقفوا مع ظاهر العلم ولم يصل العلم النافع إلى قلوبهم ولا شموا له رائحة ، غلبت عليهم الغفلة والقسوة ، والإعراض عن الآخرة والتنافس في الدنيا ، ومحبة العلو فيها والتقدم بين أهلها . وقد منعوا إحسان الظن بمن وصل العلم النافع إلى قلبه ، فلا يحبونهم ولا يجالسونهم ، وربما ذموهم وقالوا : ليسوا بعلماء ، وهذا من خداع الشيطان وغروره ، ليحرمهم / الوصول إلى العلم النافع الذي مدحه الله ورسوله ، وسلف الأمة وأئمتها . ولهذا كان علماء الدنيا يبغضون علماء الآخرة ، ويسعون في أذاهم جهدهم ، كما سعوا في أذى سعيد بن المسيب والحسن وسفيان ومالك وأحمد ، وغيرهم من العلماء الربانيين ، وذلك لأن علماء الآخرة خلفاء الرسل ، وعلماء السوء فيهم شبه من اليهود ، وهم أعداء الرسل وقتلة الأنبياء ومن يأمر بالقسط من الناس ، وهم أشد الناس عداوة وحسدًا للمؤمنين ، ولشدة محبتهم للدنيا لا يعظمون علمًا ولا دينًا ، وإنما يعظمون المال والجاه والتقدم عند الملوك . كما قال بعض الوزراء للحجاج بن أرطاة : " إنَّ لَكَ دِينًا وإِنَّ لَكَ فِقْهًا " . فقال الحجاج : " أَفَلاَ تَقُولُ إِنَّ لَكَ شَرَفًا وإِنَّ لَكَ قَدْرًا " .